أبي منصور الماتريدي
84
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
كان فرحا عند الرحمة [ والنعمة ] « 1 » ، وعند الشدة والبلاء كفورا حزينا ؛ كقوله - تعالى - : وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ [ هود : 9 ] . ومنهم : من كان لا يخضع ولا يتضرع في الأحوال كلها ، لا عند الشدة والبلاء ، ولا عند الرخاء والنعمة ، ويقولون : إن مثل هذا يصيب غيرنا ، وقد كان أصاب آباءنا ، [ وهم ] كانوا أهل الخير والصلاح ؛ وهو كقوله : وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ [ الأعراف : 95 ] : كانوا على أحوال مختلفة ، ومنازل متفرقة ؛ فيشبه أن يكون قوله : فلو لا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قلوبهم قست : في القوم الذين لم يتضرعوا عند إصابتهم الشدائد والبلايا . وجائز أن يكونوا تضرعوا عند حلول الشدائد ، فإذا انقطع ذلك وارتفع ، عادوا إلى ما كانوا من قبل ؛ كقوله : فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ [ العنكبوت : 65 ] ؛ ويشبه أن يكون قوله : لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ [ 42 ] ، وقوله : دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [ العنكبوت : 65 ] : فيما بينهم وبين ربهم ، وهذا فيما بينهم « 2 » ، وبين الرسل ؛ لأن الرسل كانوا يدعونهم « 3 » إلى أن يقروا ، ويصدقوهم فيما يقولون لهم ويخبرون ، فتكبروا عليهم ، وأقروا لله وتضرعوا إليه ، تكبروا « 4 » عليهم ولم يتكبروا على الله . ويحتمل أن يكون قوله : فَلَوْ لا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا : في الأمم السالفة إخبار منه « 5 » أنهم لم يتضرعوا . ويحتمل قوله أيضا : فَلَوْ لا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وجهين : أحدهما : أنهم لم يتضرعوا إذ جاءهم بأس الله ، ولكن عاندوا وثبتوا على ما كانوا عليه . والثاني : تضرعوا عند نزول بأسه ؛ لكن إذا ذهب ذلك وزال عادوا إلى ما كانوا ، فيصير كأنه قال : فلولا لزموا التضرع إذ جاءهم بأسنا . وقوله - عزّ وجل - : وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ . أي : زين لهم صنيعهم الذي صنعوا ، ويقولون : إن هذا كان يصيب أهل الخير ، ويصيب آباءنا وهم كانوا أهل خير وصلاح .
--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) زاد في أ : وبين ربهم . ( 3 ) في ب : يدعون . ( 4 ) في ب : تكبرا . ( 5 ) في ب : منهم .